المحاسبة والمراقبة

من مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة المقدسي

  • قال تعالى “يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه”، وقال “ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين”.
  • (من حاسب نفسه في الدنيا خف في القيامة حسابه) ابن قدامة رحمه الله.
  • قال تعالى “يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا” .. والمرابطة لها ست مقامات: أصلها المحاسبة وقبلها المشاطرة والمراقبة وبعدها المعاتبة والمعاقبة  ولا تنس المجاهدة.. وسيأتي تفصيلها:

  • المقام الأول: المشارطة:
  • كما يستعين التاجر بشريكه طلباً للربح ويحاسبه ويعاقبه فإنه أحرى بالعبد أن يدقق في حساب نفسه حيث كان الربح الفردوس الأعلى.
  • مثال: بعد الفراغ من فريضة الصبح يفرغ قلبه للمشارطة فيقول: هذا يوم جديد، قد أمهلني الله فيه وأخر أجلي ولو توفاني لتمنيت أن أرجع فأعمل فاحسبي يا نفس أنك قد توفيت فرجعت فاعملي .. ثم يضع خطة بحسب الساعات أو الجوارح وغيرها.
  • عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني).

  • المقام الثاني: المراقبة:
  • بعد أن أوصى الإنسان نفسه وشرط عليها لم يبق إلا المراقبة ومن أراد أن يعرفها فليعرف معنى الإحسان الذي ورد في الحديث وهو (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك).
  • قال الحسن (رحم الله عبداً وقف عند همه فإن كان لله مضى وإن كان لغيره تأخر).
  • المراقبة في الطاعة أن يكون العبد مخلصاً فيها، وأما المعصية فبالتوبة والندم والإقلاع، وأما في المباح فبمراعاة الأدب والشكر على النعم والصبر على البلايا.

  • المقام الثالث: المحاسبة بعد العمل:
  • قال تعالى “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد”.
  • قال عمر (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا).
  • (العبد كما ينبغي أن يكون له وقت في أول النهار يشارط فيه نفسه، كذلك ينبغي أن يكون له ساعة يطالب فيها نفسه في آخر النهار ..) ابن قدامة رحمه الله.
  • (معنى المحاسبة أن ينظر في رأس المال وفي الربح والخسران، فرأس المال في دينه الفرائض وربحه النوافل والفضائل وخسرانه المعاصي، وليحاسبها أولاً على الفرائض وإن ارتكب معصية اشتغل بعقابها ومعاتبتها ليستوفي منها ما فرط) ابن قدامة رحمه الله.
  • لو رمى الإنسان بكل معصية حجراً في داره لامتلأت الدار ولكنه يتساهل “أحصاه الله ونسوه” .. والله المستعان.

  • المقام الرابع: معاقبة النفس على تقصيرها:
  • إن تركت النفس حال المعاصي سهل حينئذ مقارفة الذنوب وعسر فطامها.
  • حكي أن تميم الداري رضي الله عنه نام ليلة لم يتهجد فيها حتى أصبح فقام سنة لم ينم فيها عقوبة للذي صنع.
  • روي عن عمر رضي الله عنه أنه خرج إلى حائط له ثم رجع وقد صلى الناس العصر، فقال (إنما خرجت إلى حائطي ورجعت وقد صلى الناس العصر، حائطي صدقة للمساكين).
  • ولابد من مراعاة أن العبد لا ينبغي أن يعاقب نفسه فيما يضر بدنه أو يخالف الشريعة.

  • المقام الخامس: المجاهدة:
  • لما كانت المعاقبة على المعاصي، صارت المجاهدة للكسل في ترك الفضائل.
  • ورد عن ابن عمر أنه فاتته الجماعة فأحيا الليل كله تلك الليلة.
  • قال ابن المبارك (إن الصالحين كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفواً، وإن أنفسنا لا تواتينا إلا كرهاً).
  • ومما يستعان به عليها أن يسمعها أخبار المجتهدين وما ورد في فضلهم ويصحب من يقدر عليه منهم، فيقتدي بأفعاله.
  • قال بعضهم: كنت إذا اعترتني فترة في العبادة نظرت إلى وجه محمد بن واسع وإلى اجتهاده فعملت على ذلك أسبوعاً.

  • المقام السادس: في معاتبة النفس وتوبيخها:
  • قال أنس رضي الله عنه: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ودخل حائطاً، فسمعته يقول وبيني وبينه الجدار (عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، بخٍ بخٍ، والله لتتقين الله يا ابن الخطاب أو ليعذبنك).
  • وكان بعضهم يقول: إذا ذكر الصالحون فأف لي وتف.
  • (أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك، وقد خلقت أمارة بالسوء ميالة إلى الشر فلا تغفلن عن توبيخها حتى تطمئن) ابن قدامه رحمه الله بتصرف.
  • فهذه مقامات ستة تلزم لتخفيف الحساب يوم الحساب فلا تدعها ولا تغفل.

والحمد لله رب العالمين

%d مدونون معجبون بهذه: