كمال التأدب

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، أرسله الله إلى كافة البشر ليعلمهم الدين كما كان من مقاصد بعثته إتمام مكارم الأخلاق، فكان بذلك خير أسوة لنا في الأدب والتأدب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ..

فالأدب قوام هذا الدين، وأدب العلم أكثر من العلم ..

قال ابن المبارك: (إذا وصف لي رجل له علم الأولين والآخرين، لا أتأسف على فوت لقائه، وإذا سمعت رجلاً له أدب النفس، أتمنى لقاءه وأتأسف على فوته) .. وقال: (نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم) ..

صدق ابن المبارك، نحن إلى الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم، وسأذكر نماذج في الأدب لعلها تكون له نبراساً إلى التأدب ودافعاً له ..

  • الأدب مع الله عز وجل:

وكان الأنبياء في هذا خير أسوة ..

فانظر إلى سيدهم، سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم يقول عنه ربه: “ما زاغ البصر وما طغى”، قال ابن القيم: (إن هذا وصف لأدبه صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام، إذ لم يلتفت جانباً ولا تجاوز ما رآه، وهذا كمال الأدب، والإخلال به أن يلتفت الناظر عن يمينه وعن شماله، أو يتطلع أمام المنظور، فالالتفات زيغ، والتطلع إلى ما أمام المنظور طغيان ومجاوزة) فهذا من كمال الأدب.

وكذلك أيوب عليه السلام، من أدبه في السؤال لما أصابه المرض قال: “رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين”، فلم يقل رب اشفني تأدباً في الطلب.

  • أما في الأدب مع الأنبياء:

أدب الصديق رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة أن يتقدم بين يديه، فقال: (ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. كيف أورثته مقامه، والإمامة بعده؟) ، فكان ذلك التأخر إلى خلفه –وقد أومأ إليه أن اثبت مكانك- جمزاً، وسعياً إلى قدام.

وكذلك بكاء ثابت بن قيس رضي الله عنه وجلوسه في بيته عندما نزلت: “يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ..” فبشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة لتأدبه وخشيته.

  • أما في الأدب مع العلماء:

فيقال أن الشافعي عوتب على تواضعه للعلماء، فقال:

أهين لهم نفسي فهم يكرمونهاولن تكرم النفس التي لا تهينها

وقال: (كنت أصفح الورقة بين يدي مالك صفحاً رقيقاً هيبة له، لئلا يسمع وقعها).

وغير هذا من الأمثلة كثير مما يبين أدب السابقين وعظيم خلقهم لا تسع له هذه الأسطر.

والحمد لله رب العالمين

%d مدونون معجبون بهذه: