حان وقت الهجرة

صدرت ما كتبت بهذا العنوان لا لقصد هجرة الأوطان بالأبدان فهي مرحلة ستأتي إذا آن الأوان وقد تزول كلياً حين ننعم في ديننا بالأمان، بل انطلاقاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم (العبادة في الهرج كهجرة إلي) وقد علق النووي في شرحه لمسلم أن المراد بالهرج: الفتنة واختلاط أمور الناس، وفي هذا الوقت يعلو قدر العبادة أكثر من غيرها لإعراض الناس عنها .. ألم تر أن أكثر الناس في هذا الزمان قد خاضوا في الفتن مع أن الكثير من الصحابة في وقت الفتن في زمانهم قد اعتزلوها.

ومما يشيب له الرأس أن البعض قد يتورع في أن يفتي في أبسط مسائل الطهارة وإذا أتى الأمر الجلل الذي فيه سفك للدماء وإزهاق للأرواح بل ولاء لأهل الرفض ورفض لأهل الدين والحجا تصدّر الفتوى وشرّق وغرّب بحجة احترام الرأي الآخر.

كم أعجبني تعليق أحد الإخوة عندما قال: هل يحترم رأي فرعون في ادعائه الربوبية بقوله: (أنا ربكم الأعلى)؟! وهل يحترم رأي كفار قريش عندما قالوا عن المصطفى أنه ساحر؟! وما ألف الناس البدع إلا بسبب احترام كل رأي واتباع ما لم يشرع.

عوداً على بدء .. التقي من عرف بالعبادة وقت الفتنة ومن حزم حقائبه وملأها بالقيام والصيام واتباع هدي خير الأنام من أقوال وأعمال وهاجر إلى الله تعالى بالعبادة على حين غفلة من أهلها .. ولي في هذا مثل فتأمل ..

تخيل أنك كنت مريضاً والناس غافلون عن زيارتك لاهون في دنياهم، فدخل عليك أخ تحبه ممسكاً بهدية داعياً لك بصوت عطوف (لا بأس طهور إن شاء الله) .. ما هو وقع ذلك في قلبك؟ .. ولله تعالى المثل الأعلى، فأنت بين الغافلين في عبادتك كالنجم المشع في دجى الليل المظلم تعرف عند الله تعالى بالرفعة والضياء.

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته:

هذا وللمتمسكين بسنة الـمختار عند فساد ذي الأزمان
أجر عظيم ليس يقدر قدرهإلا الذي أعطاه للإنسان
فروى أبوداود في سنن لهورواه أيضاً أحمد الشيباني
أثراً تضمن أجر خمسين امرئمن صحب أحمد خيرة الرحمن
إسناده حسن ومصداق لهفي مسلم فافهمه فهم بيان
إن العبادة وقت هرج هجرةحقاً إلي وذاك ذو برهان

فأشار رحمه الله تعالى إلى حديثنا في مسلم والحديث الذي رواه أبوداود والترمذي وغيره (ائتمروا بالمعروف وانتهوا عن المنكر حتى إذا رأيتم شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام تدعى أيام الصبر، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم) قيل: يارسول الله، أجر خمسين رجلاً منا أو منهم؟ قال: (بل أجر خمسين رجلاً منكم) .. فبالله عليك اقرأ الحديث مرتين وثلاثاً ولاحظ مقصوده صلى الله عليه وسلم في كل عبارة وتأمل: أليس هذا زماننا بحذافيره؟!

ثم تذكر أخي أنه يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن .. وطوبى للغرباء.

15 ربيع الآخر 1432 هـ

الموافق 20 مارس 2011 م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: