غير قابل للنشر

لما كان شرعنا الحنيف قد كمل وكان مقصداً من مقاصده الصدع بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه في المقابل شرع لنا كتمان بعض الأمور وعدم جواز نشرها إما وجوباً أو استحباباً .. فالدين مبني على المصالح في جلبها والدرء للقبائح.

ومن أهم هذه الأمور وأخطرها نشر الفاحشة إما تصريحاً تجنباً لصريح القرآن أو تعريضاً إعراضاً عن مداخل الشيطان، فالله تعالى توعد من أحب أن تشيع الفاحشة بالعذاب الأليم وحرمان النعيم المقيم في الدارين: دار البقاء ودار الفناء فقال (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة)، وإن محبة إشاعة الفاحشة لا تقتصر على الزنا بعينه فقط، بل تشمل كل الأسباب الجالبة للفاحشة من دعوة لسماع الغناء والتبرج والاختلاط وغيرها، وما سميت الفاحشة بهذا إلا لاستفحاش النفوس لها فهي قبيحة في الاسم قبيحة في الفعل.

ولعل من الأمور المحرمة والتي تدعوا لهذا ما ينشر في آخر الصحف من جرائم تمس الشرف والعرض وغيرها مما لايقبله عاقل ولا يرضى به ذو لب، بل قد يكون بعض هذه الأخبار الفاسدة مما يثير الغرائز لدى فئة الشباب .. فهلا شعر بعظم العقوبة من كتب؟ وجنب بدنه وروحه من أن يكونا للنار من الحطب في يوم لا ينفع فيه لا أم ولا أب إلا من أتى الله بقلب سليم من العطب؟

ومن الأمور الممنوعة أن يجاهر العاصي بمعصيته وكأنه يتباهى بها متجاهلاً عظم من عصى، فكل الأمة معافى إلا المجاهرين .. فليسمع مقالتي من شرب الدخان أمام الناس ومن خرجت سافرة متزينة متعطرة دون إحساس ومن سعى للمجاهرة بكل ما أوتي من بأس .. فاللهم ردنا إليك رداً جميلاً.

وقد نهانا الشارع عن الحديث عن الأشخاص في غيابهم بما يسوءهم سواءً كان هذا مما هو واقع فيه أو مجانبه، بل جعل العقوبة على الغيبة شديدة لعظم خطرها في تفكيك المجتمع، فكيف تهون وقد عوقب صاحبها بتخميش وجهه وصدره بأظفار من نحاس؟! وقد سألكم ربكم سؤالاً ضرب فيه مثلاً للغيبة بقوله (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه)؟! هذه بعض عقوباتها والله المستعان.

أخي العزيز …

مما يفضل كتمانه أيضاً: ما يحصل لك من الخير خوفاً من العين كما وصى يعقوب ابنه يوسف عليهما السلام أن يكتم رؤياه عن إخوته حتى لا يكيدوا له كيداً حسداً من عند أنفسهم، كما وصاهم أن لا يدخلوا على العزيز من باب واحد لكثرتهم خوفاً عليهم من العين، كما حث الشارع على كتمان كل ما ليس ثم فائدة في نشره من حوائج فقال الصادق المصدوق (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان) .. وهذا يحتاج إلى حكمة حكيم ونظر ثاقب.

ولابد من فهم دقيق لما يجب كتمه من أعمال قد تستحسنها نفسك فتحدث بها فتفتح للشيطان باباً تدعوه منه ليفسد ما في قلبك من إخلاص ويعزز في نفسك حب المدح والثناء والتي هي مفطورة عليه وأنت مأمور بصرفها عنه، فتجنب الحديث عن نفسك في المجالس بل اتهمها دائماً بالتقصير واجعلها محلاً للتعيير .. ولا أعني أن تجهر بذلك أمام الملأ بل في نفسك حتى لا تهلك الحرث والكلأ فتوهن بما قلبك فيه من الذنوب قد امتلأ.

وختاماً .. إذا أسر لك صديق بما هو فيه من هم وضيق فلا تخبر به أحداً فإنها أمانة بمجرد التفاته كما أخبر بذلك المصطفى خير الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام (إذا حدثك الرجل ثم التفت فهو أمانة) .. وكذلك أن يفضي الرجل إلى امرأته وتفضي إليه ثم يفشي أحدهما سر الآخر ..

وليس هذا على سبيل الحصر فلو تتبعت النصوص وأقوال العلماء في كل مصر وعصر لوجدت في أنواعها الكثير مما هو غير قابل للنشر ولكني اقتصرت في مقالتي على الأهم ولو كان بقدر يسير .. وبالله التوفيق.

17 ربيع الآخر 1432 هـ

الموافق 22 مارس 2011 م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: