إذا فارق الروح الجسد

كنت أتحدث مع أحد المسؤولين في العمل ونظرت إلى مكتبه وهو يطل على مقبرة (الصالحية) فكان منظر القبور مروعاً، فقلت له بكل عفوية: إنما جعلت مكاتبكم مطلة على القبور لتعلموا أنكم مهما ارتقيتم هنا في الدرجات فمآلكم إلى حفرة ضيقة تتوسدون التراب فيها وتلتحفون به في ظلمة لا شمس فيها ولا سراج، وكنت قد قلت هذه الكلمة على وجه الدعابة لا الموعظة .. ثم انتابني شعور غريب وأنا أخرج من مكتبه فقلت في نفسي: إن هذا لأمر جلل، فكم غفلنا عن ذكر من وصانا خير البشر بذكره بقوله (أكثروا من ذكر هادم اللذات) .. بل وصل الأمر بنا في حب الدنيا وكراهية الموت إلى ترك التفكر فيه حتى ولو عرض علينا من غير قصد ولا اختيار .. فقست قلوبنا فكانت كالحجارة أو أشد قسوة .. وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار .. وجمعنا نحن في قلوبنا ما بين سقطة وهفوة.

فكم شيعنا من أحباب وأقرباء وسرنا في جنائزهم دون الاتعاظ فيما هم فيه من حال .. ورجعنا إلى بيوتنا فعدنا لما نحن عليه من أعمال .. وتركنا التأسي بنبينا وبصحبه حين كانت لحاهم بدموعهم تتخضب عند القبر وهو محفور خالٍ!!.

فتفكر أخي ..

أين من لهثوا في طلب الدنيا؟ وأين من ساد الأرض وحكم؟ وأين من آثر ملذات عاجلة فانية على ملذات آجلة لا تفنى؟

أيـن الملوك ذَوو التيجان من يمنٍ            وأيـن مـنهم أكـاليلٌ وتيجانُ ؟
وأيـن مـا شـاده شـدَّادُ في إرمٍ       وأين ما ساسه في الفرس ساسانُ ؟
وأيـن مـا حازه قارون من ذهب     وأيـن عـادٌ وشـدادٌ وقحطانُ ؟
أتـى عـلى الـكُل أمر لا مَرد له     حـتى قَـضَوا فكأن القوم ما كانوا
وصـار ما كان من مُلك ومن مَلِك          كما حكى عن خيال الطّيفِ وسْنانُ

فإذا أتت ساعة الموت التي تفارق فيها الأحباب وتتوسد فيها التراب فإما أن تكون من الموفقين فتقول بأعلى صوت (قدموني قدموني) وتدعو (رب أقم الساعة) أو تصيح في نفسك (يا ويلها أين تذهبون بها؟) ودعاؤك يومئذ (رب لا تقم الساعة رب لا تقم الساعة) .. وأنى يستجاب لك؟ .. فهل أحببت لقاء الله واشتقت إليه كما كان عليه الصلاة والسلام يدعو بقوله (والشوق إلى لقائك) أم أنك ستكون حينها من الخائفين من لقاء الله تعالى خشية أن تفضح بين الخلائق؟ .. فالمآل بعدها إما أن تقول (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) أو تتحسر بقولك (رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت) .. فتأمل.

17 جمادى الأولى 1432 هـ

الموافق 20 أبريل 2011م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: