العلانية في الإنكار على الولاة … بين تأصيل العلماء الربانيين وخوض السياسيين

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين … وبعد:

تقديم

لاشك أنه قد حصل لبس عظيم في الآونة الأخيرة حول مسألة شرعية بحتة أقحمت بالسياسة بشكل لا يحتمل ، بل بدأت بإيجاد المخارج من الحرمة إلى الإباحة وانتهت بمباركة الانقلابات والثورات في الدول العربية بل وتهديد ولاة الأمر في بلدنا الحبيبة … وهي مسألة (الإنكار على ولي الأمر) والتي تعتبر من كبار المسائل التي لا تحتمل الكلام إلا من كبار ، فلذلك عزمت أن أجمع من النصوص الشرعية ما يروي الغليل في هذه المسألة وأضيف إليها ما يعين على فهمها من كلام السلف وأقوال المعاصرين فذلك منهجنا: الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة ، وابتعدت عن السجع وصياغة الأسلوب لغرض تسهيل إيصال المعلومة.

مباركة الانقلابات ونزع الحكام

أولاً وبادئ ذي بدء … لا يقر أحد من أصحاب العقيدة الصحيحة الخالصة الخروج على الولاة الفاسقين بل فيه من المفسدة ما الله به عليم ، ولذلك يقول شيخ الإسلام بن تيمية (ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد أكثر من الذي في إزالته) ، ويكفي في تركه أنه منهج أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والرافضة … وليس هذا موضوعنا لأن هذا مفروغ منه ولا مسوغ لمن يبارك سقوط الحكام الظلمة في الدول ويصف الخارجين بالشهداء الأبطال لاسيما إن كانوا منتحرين !!

أما إن كان المقرر أن الحاكم قد أتى بالكفر البواح فيترك هذا لأهل العلم عندهم فهم أدرى بحالهم وأعلم بمصالحهم أو على أقل تقدير يترك لعلماء وقضاة الدول المجاورة لهم لا أن يتكلم فيها العامة.

خيرية الأمة بكونها آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر

لا يختلف اثنان في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل لعن الرسل بني إسرائيل لتركهم لهذه الشعيرة “كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه” وهو الاعتداء الوارد في قوله تعالى “ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون” … ومن القواعد العامة في الإنكار أن لا يفضي إلى منكر أعظم منه وكذلك المنكر المعلن إن اقتضت المصلحة بإنكاره علناً فإنه ينكر علناً … ولكن لنضيق الدائرة ونخصص العام فالحديث عن الإنكار على ولاة الأمور لا العامة … فما السبيل؟

الإنكار على ولي الأمر .. بالسر أم بالعلن؟

في الإنكار على السلطان فضل عظيم لقوله عليه الصلاة والسلام (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) ولاحظ لفظ (عند) وما يعنيه ، والإنكار عليه لا يكون إلا بما يليق به (فليس لأحد منعه بالقهر باليد ولا أن يشهر عليه سلاحاً أو يجمع عليه أعواناً لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشر وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدى ذلك إلى تجريهم على الخروج عليه وتخريب البلاد وغير ذلك مما لا يخفى) قاله ابن النحاس ، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله (لا يتعرض للسلطان فإن سيفه مسلول وعصاه) ولاحظ أيضاً ما تقتضيه كلمة (عصاه) ، وأدعوك أخي للرجوع لكتاب الآداب الشرعية لابن مفلح إن طلبت الاستزادة.

وقد عقد الشيخ عبد السلام بن برجس في كتابه (معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة) فصلاً في طريقة الإنكار على الولاة سأختصره فيما يلي:

ذكر الشيخ نقلين: الأول: ما ذكره ابن الجوزي (الجائز من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع السلاطين: التعريف والوعظ فأما تخشين القول نحو : يا ظالم! يا من لا يخاف الله! فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شررها إلى الغير لم يجز وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عند جمهور العلماء. قال: والذي أراه المنع من ذلك …) ، واسأل نفسك أخي: هل ما يحدث في الندوات تعريف ووعظ أم تخشين للقول؟! مع العلم أنه لم يأت بمسألة الإنكار علانية إلى الآن.

الثاني: قال ابن النحاس في كتابه (تنبيه الغافلين): (ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رؤوس الأشهاد ، بل يود لو كلمه سراً ونصحه خفية من غير ثالث لهما).

ثم علق الشيخ عبد السلام بن برجس بعد أن بين منهج أهل السنة والجماعة قائلاً: (ومن أهم ذلك وأعظمه قدراً أن يناصح ولاة الأمر سراً فيما صدر عنهم من منكرات ولا يكون ذلك على رؤوس المنابر وفي مجامع الناس لما ينجم عن ذلك – غالباً – من تأليب العامة وإثارة الرعاع عليهم وإشعال الفتن) … أخي الكريم: اسأل نفسك مرة أخرى .. ما الفرق بين المنابر والندوات؟! أليس فيما يفعله هؤلاء في مجامع الناس إثارة للرعاع؟!

يقول العلامة بن باز رحمه الله تعالى (ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذكر ذلك على المنابر لأن ذلك يفضي إلى الانقلابات … ولكن الطريقة المتبعة عند السلف النصيحة فيما بينهم وبين السلطان والكتابة إليه أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير) إنه لتوجيه عظيم من هذا العالم الرباني لطريقة الإنكار فحددها بالكتابة له أو مناصحته أو اختيار من يناصحه ، ثم بين رحمه الله كيفية إنكار المنكر المعلن بقوله (وإنكار المنكر يكون من دون ذكر الفاعل فينكر الزنى وينكر الخمر وينكر الربا من دون ذكر من فعله … لا حاكم ولا غير حاكم).

وهذا أسامة بن زيد رضي الله عنه لما وقعت الفتنة في عهد عثمان قال بعض الناس: ألا تنكر على عثمان؟ ، قال: أنكر عليه عند الناس؟! لكن أنكر عليه فيما بيني وبينه ولا أفتح باب شر على الناس. وقد علق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى في تعليقه على مختصر صحيح مسلم قائلاً (يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ لأن في الإنكار جهاراً ما يخشى عاقبته كما اتفق في الإنكار على عثمان جهاراً إذ نشأ عنه قتله).

وبهذا يقول أئمة الدعوة: الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ومحمد بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ سعد عتيق والشيخ عمر بن سليم ، والشيخ عبد الله العنقري-رحم الله الجميع-: (وأما ما يقع من ولاة الأمور من المعاصي والمخالفات التي لا توجب الكفر والخروج من الإسلام ، فالواجب فيها: مناصحتهم على الوجه الشرعي برفق واتباع ما كان عليه السلف الصالح من عدم التشنيع عليهم في المجالس ومجامع الناس …) وغير هذه النقولات كثير من كلام أهل العلم.

وأما ما نقل عن الشيخ بن عثيمين من لقاء الباب المفتوح قوله (فإذا رأينا أن الإنكار علناً يزول به المنكر ويحصل به الخير فلننكر علناً ، وإذا رأينا أن الإنكار علناً لا يزول به الشر ولا يحصل به الخير بل يزداد ضغط الولاة على المنكرين وأهل الخير ، فإن الخير أن ننكر سراً وبهذا تجتمع الأدلة … ) فرأي الشيخ أن الأمر مناط بالمصلحة ، ولكن التساؤل: هل فيما يحدث الآن من إعلان في الإنكار مصلحة أم مفسدة أعظم؟ ثم من المعني بتقدير المصلحة؟ ثم إن تتمة كلام الشيخ ( وأنتم تعلمون –بارك الله فيكم- أن ولاة الأمور لا يمكن أن يرضوا جميع الناس … فإذا أعلن النكير على ولاة الأمور استغله من يكره (وجعل من الحبة قبة) وثارت الفتة وما ضر الناس إلا مثل هذا الأمر) فكأن الشيخ يميل إلى تقديم الإنكار في السر إلا إن اقتضت المصلحة. بل إنه في موضع آخر في كتابه (مقاصد الإسلام) قرر أن النصيحة تكون للولاة سراً وساق بعض الأدلة على ذلك ومنها حديث (من أكرم سلطان الله تبارك وتعالى في الدنيا أكرمه الله يوم القيامة ومن أهان سلطان الله تبارك وتعالى في الدنيا أهانه الله يوم القيامة) فقال (فإذا كان الكلام في الملك بغيبة أو نصحه جهراً والتشهير به من إهانته التي توعد الله فاعلها بإهانته فلاشك أنه يجب مراعاة ما ذكرنا لمن استطاع نصيحتهم من العلماء الذين يغشونهم ويخالطونهم وينتفعون بنصيحتهم دون غيرهم ..) إلى أن قال (فإن مخالفة السلطان فيما ليس من ضروريات الدين علناً وإنكار ذلك عليه في المحافل والمساجد والصحف ومواضع الوعظ وغير ذلك – فما الفرق بينها وبين الندوات – ليس من باب النصيحة في شيء فلا تغتر بمن يفعل ذلك وإن كان عن حسن نية فإنه خلاف ما عليه السلف الصالح المقتدى بهم والله يتولى هداك).

دليل صريح

وإليك أصرح الأدلة الذي به يحسم الموضوع وهو حديث عياض بن غنم عندما جلد صاحب دارا حين فتحت ، فأغلظ له هشام بن حكيم القول حتى غضب عياض ثم مكث ليالي فأتاه هشام بن حكيم فاعتذر إليه ثم قال هشام لعياض: ألم تسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن من أشد الناس عذاباً أشدهم عذاباً في الدنيا للناس) ؟ فقال عياضبن غنم: يا هشام بن حكيم! قد سمعنا ما سمعت ورأينا ما رأيت ، أولم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبد له علانية ولكن ليأخذ بيده فيخلو به فإن قبل منه فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه له) وإنك يا هشام لأنت الجريء إذ تجترئ على سلطان الله فهلا خشيت أن يقتلك السلطان فتكون قتيل سلطان الله تبارك وتعالى؟.

قال الشيخ عبد السلام بن برجس معلقاً (وهذا الحديث أصل في إخفاء نصيحة السلطان وأن الناصح إذا قام بالنصح على هذا الوجه فقد بريء وخلت ذمته من التبعية … إذ أن عياض بن غنم أنكر عليهم ذلك وساق النص القاطع للنزاع الصريح في الدلالة … فما كان من هشام بن حكيم إلا التسليم والقبول) فهلا سلمنا وقبلنا؟!

ويستمر قائلاً (والحجة إنما هي في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا في قول أو فعل أحد من الناس مهما كان) … لا كائناً من يكون!!

وهذا ما عليه أئمة السلف كالشوكاني حيث قال في السيل الجرار (ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد).

وذكر الحافظ بن رجب في (جامع العلوم والحكم) أن ابن عباس سئل عن أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر فقال (إن كنت فاعلاً ولابد ففيما بينك وبينه).

أبعد كل هذا يعدل عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وسلف الأمة بل حتى العلماء المعاصرين كابن باز وبن عثيمين والألباني وغيرهم إلى قول طلبة العلم وعامة الناس… يا الله … كم فقدنا فقه علماء الأمة الراسخين في العلم.

بين المظاهرات والندوات

إخواني … إننا عندما ننكر المظاهرات والاعتصامات لأنها سبيل لتهييج العامة والرعاع فإنه لحري بنا أن ننكر الندوات التي تفيض إلى تهييج العامة أيضاً لأن العبرة بالمضمون لا المسميات … فانظر إلى ما يحصل في بعض الندوات وأنت الحكم وليكن شعارك دوماً (إلا الدين).

ختاماً

أسأل الله عز وجل أن يبصرنا في ديننا وأن يرزقنا الرجوع إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإلى العلماء الربانيين الراسخين في العلم … جعلنا الله وإياكم من المرضيين والحمد لله رب العالمين

كتب في 19 صفر 1432 هـ

الموافق 24 يناير 2011 م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: