لمسات دقيقة في تربية الأبناء

لم أبلغ من العمر ما يؤهلني لأن أسطر تحت هذا العنوان قواعد وفوائد عن خبرة، ولم أجلس القدر الكافي مع كبار المربين لأنصح وأوجه في التربية والتأثير، ولكن في نقلي من أخبار الأمم السابقة ما يغني في إعطاء العبرة، وفي عملي في هذا المجال مع هذه الفئة العمرية ما يجنبني التعيير .. ورب مبلغ أوعى من سامع.

دقة في المتابعة ..

كان الخليفة العباسي هارون الرشيد يحرص على إيجاد المعلم المثالي لولديه الأمين والمأمون، بل يبعث الجواسيس لينقلوا له كيف هو تعليمه لهما .. لاحظ الدقة، فاختار الخليفة الأصمعي ليعلمهما، وذات يوم نقل أحد الجواسيس قصة رآها بين ولدي الخليفة ومعلمهما، فسأله الخليفة: ماذا رأيت فيهما؟ فقال بكل إعجاب: رأيت صبيين يتسابقان كي ينتعل معلمهما وكل منهما ممسك بفردة حذاء، فوقف هارون الرشيد يسأل الأصمعي سؤالاً غريباً: من أعز الناس في عصري يا أصمعي؟ فأجابه بالرد المعتاد المتبادر إلى الذهن: ومن أعز منك يا أمير المؤمنين ؟! فقال له الخليفة: أعز الناس من يتسابق وليا عهدي في تقريب نعله وإلباسه، فانظر إلى تقديره لهذا المعلم الذي كان له دور في إعداد أبنائه لأمر عظيم وهو الخلافة .. وهذا أمر من الدقة بمكان.

فيا ليت الآباء يستنون بمن سلف ويرمون عرض الحائط بما هم خلفه من اتباع سنن من تلف، وما هم متبعون له من أمور غربية فاسدة حذو القذة بالقذة، فالخير كل الخير في اتباع ما عن أهل الحق قد أثر، وإني في هذا ناصح .. فهل من مدكر.

أمر آخر ..

ألم تلحظ أمراً دقيقاً فاتنا عند سردنا للقصة وهو أن الخليفة كان يسمى بالرشيد وسمى ولديه بالأمين والمأمون .. وهذه الأسماء والألقاب لها دور في بناء شخصياتهم حتى يعيشوا في بيت جمع بين الرشد والأمانة .. فلا ينبغي أن تكون أسماء أبنائنا مجرد أعلام ينادون بها بل شعارات يصطبغون بها في صفاتهم، فاحرص على التسمية بما فيه الرفعة والعزة واترك ما كان فيه التحقير والهوان واربط أسماء فلذات أكبادك بأعلام الأمة حتى تكون لهم نبراساً يهتدى بها.

موقف آخر ..

يذكر أن رجلاً سأل ابنه: يا بني! من قدوتك؟ فأجاب الطفل البرئ: أنت يا أبت، فرد عليه الأب بتوجيه سديد علقه فيه بالرعيل الأول لينهل من نبع لا ينضب قائلاً: بئس الاختيار يا بني، فإني جعلت من عمر بن الخطاب قدوة لي وأنا على ما أنا عليه من البون الشاسع بيني وبينه فماذا عساك تكون إن جعلتني قدوة لك؟!.

فلنحرص على تتبع دقائق التربية التي خطا عليها سلفنا ولنقتفي آثارهم فهم خير القرون وحق لنا أن نتخذهم أقراناً وإن كانوا أمواتاً غير أحياء، فقد قال ابن مسعود (من كان منكم مستناً فليستن بمن مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة) .. والله الموفق.

11 ربيع الآخر 1432 هـ

الموافق 16 مارس 2011 م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: