وهابي وأفتخر

قضيت الأسبوع الماضي كله وأنا أقرأ في حياته وشخصيته، فهو علم من أعلام الأمة وسيد من ساداتها، رفع الله به الدين بعد طمسه، وأحيا به السنة بعد موتها، ودحض به الشرك بعد فشوه، ورفع راية (لا إله إلا الله) فكسرت رايات الشرك والبدع بعد علوها، جمع بين ثلاث خصال: علم وذكاء وقيادة فكانت له الريادة، جدد للأمة دينها المغبر في عصره وأسس مفهوم الولاء والبراء فكان سبباً لنصره.

آليت وأنا أقرأ مائة وخمسين صفحة في حياة الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب إلا أن أجمع الفوائد من سيرته في مقال، فله من الخصائص الفطرية والمكتسبة ما لم تذكر لأحد في زمنه بحال، لاسيما في وقت أصبح الدين فيه صعب المنال.

كان لنجاح دعوته في زمن الشرك عوامل كثيرة ولأبواب الخير في عصره مفاتيح كبيرة أبرزها وأهمها ما عرف به واشتهر وهو (التوحيد)، فلما كان هذا جل اهتمامه ودرء نواقضه مبعث إقدامه، كان جزاؤه من جنس عمله، فمن قدم نفسه لله تعالى جازاه الله بالقبول والحياة في سبيل الله أصعب من الموت في سبيله.

أسس الإمام بنيانه على أساسات من العلم راسخة، وجمع لبنات بنائه من علماء في شتى الديار، سعى لهم بكل ما أوتي من قوة حتى أنه كاد أن يفقد روحه التي بين جنبيه في ترحاله بين الأمصار. صبر الشيخ وتكبد العناء في دعوته فطرد من وطنه الذي ولد فيه وترعرع، وكان طارده طالب دنيا كالحمار المجدع، عندما خاف من أمير الإحساء الذي هدده بالحرب وقطع المؤونة إن هو آوى الشيخ وأعطاه المعونة.

هاجر الشيخ راجلاً إلى الدرعية ومشى أعزلاً من أي سلاح ليس بيده إلا مروحة من خوص النخيل، ولكن قلبه كان محملاً بالحمل الثقيل، فكان يلهج بقوله تعالى (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) وكانوا يعلمون إقباله إليهم قبل أن يروه من كثرة لهجه بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير .

كان رحمه الله تعالى حاد الذكاء فسعى لإقناع زوجة الأمير محمد بن سعود وأخيه حتى يكونا عوناً له في إقناع الأمير بدعوة التوحيد، فكانت له هيبة العلماء التي ما سمع بها اتفقت لغيره من الرؤساء، فسار إليه الأمير بنفسه بعد مشورة الزوجة الصالحة، وتبايعا بيعة لا تنحل إلا بإذن الله لأنها تأسست على تقوى من الله ورضوان، فكانت بشارة الشيخ للأمير (أبشرك بالعزة والتمكين وهذه كلمة التوحيد لا إله إلا الله من تمسك بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد).

أسس الشيخ دار الهجرة فصار الناس يقصدونها، وكان ينفق إنفاق من لا يخاف الفقر فتحمل الدين الكثير لمؤنة المهاجرين فكان لا يمسك درهما ولا ديناراً ويقال أنه توفي ولم توزع له تركة .. أمثل هذا أحب الدنيا وطلبها؟! أم مثله ضيع العمر في لذاتها؟! فليتعقل من كان له لب.

شمر الشيخ ذراعه وخطى نحو القباب والقبور المشيدة بنفسه لينال شرف هدم صروح الشرك ودكها وتشييد ديار التوحيد وإعمارها، فكان رحمه الله لا يعرف في الحق أخاً ولا أباً بل كان من أشد مخالفيه أخوه سليمان والذي كان بينه وبين الشيخ رسائل مطولة بل وحتى قتال في بلدة حريملا عندما غدر الأخ مع من غدر بأميرهم.

جعل الله له النصرة والتمكين عاجلاً فهذا من يطرده يرجع ليقنعه بالعودة ولكن زمان الرجوع قد ولى والبيعة الآن في عنق الشيخ لمحمد بن سعود الأمير الهمام، بل كان تعامل الشيخ مع طارده برد الإساءة بالإحسان والعفو عن الخطيئة فلما تخلف ابن معمر عن غزو الرياض وأتى يعتذر قبل الشيخ عذره وجعله رئيساً للسرايا والغزوات من باب إعطائه الثقة وليبين صدق توبته، ولكن النفوس الرديئة إن تعودت على الخطايا عسر فطامها فأعد هذا العدة للغدر وأرسل يطلب الشيخ لزيارته بحجة الإصلاح بينه وبين حاكم الرياض ففطن الشيخ وأحس ببوادر الخيانة فلم يخطو خطوة باتجاه العيينة، وتدور الأيام ويعيد ابن معمر الكرة ولكنه لم يدرك هذه المرة أنها قاصمة الظهر فقتله قومه مؤثرين حلاوة التوحيد على شؤم الخيانة والغدر.

ومما أعان على تهدئة الأوضاع بعد هذه الحادثة مبادرة الشيخ وإسراعه لحل المشكلة قبل تفاقمها فسار مباشرة للعيينة بعد مقتل حاكمها فاطمئن الناس للعالم الرباني وأمر عليها أميراً فاستقر أمرهم وكان الشيخ كالبلسم الشافي عند المصائب ومرجعهم الأعلى ربنا جل في علاه عند الشدائد، فتعلم الناس الرجوع إلى العلماء عند النوازل فهم مصدر ثبات الأمة بإذن ربهم ولهذا عندما هُزم عبدالعزيز بن سعود ودخل على الشيخ حزيناً فكان رده رحمه الله بنص التنزيل (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين).

عرف الشيخ رحمه الله خطر الكبر والعجب وأنهما أول خطوة تجاه نقض التوحيد، ولهذا عزل حاكم حريملا بعد انتصاره في أحد المعارك عندما التمس فيه هذه الخصال الذميمة التي أدخلها الشيطان في قلبه، فكان ذو رأي وعزيمة ومن تكن هذه حاله لا اخاله يلقى هزيمة.

كان الإمام المجدد قائداً عسكرياً ناجحاً بالاستعانة بالله أولاً ثم بمعونة الأمير محمد بن سعود رحمهما الله تعالى حيث قسما الجيوش وأمرا الأمراء فكانا يرسلان عبدالعزيز بن سعود أميراً على جيش الدرعية وضرما وعثمان بن معمر أميراً على جيش العيينة وحريملا والأمير على الجميع عثمان بن معمر لتعود الكلمة لقائد واحد فالسفينة لا تبحر بربانين، ولاحظ أن الشيخ لم يؤمر أحداً من أبنائه في كل ما سبق لا في معركة ولا على بلدة من بلدان نجد .. أما زلت تعتقد أنه يريد دنيا؟!.

صبر الشيخ رحمه الله تعالى على أشد الابتلاءات فتكاً في زمنه، فقد أصاب الجزيرة حينها وباءات وجدب ومجاعة وسيل وطاعون، وأصاب الدواب داء كان يسمى (الغدة) حتى أن الرجل تسقط دابته وهو عليها، فكان إمام الدعوة صابراً صبر المؤمنين ومتيقناً بأن مع العسر يسراً.

ومما ساعد في تغيير نفوس مخالفيه أنه وبالرغم من هيبته التي ألقاها الله في قلوب العباد إلا أن من عرفه عرف فيه لين الجانب وخفض الجناح والحكمة في الدعوة، ولهذا استقدم أخاه وأقامه عنده وأحسن لأهله حتى رجع إلى دين الله عز وجل فهذه الدعوة دعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.

كان الشيخ حسن استغلال الوقت مغتنماً له، فإلى جانب بعث السرايا وتجهيز الجيوش ومكاتبة البلدان كان للعلم حظ كبير من وقته فله مجالس عديدة في التدريس كل يوم في التوحيد والفقه والتفسير وغيرها وكان متابعاً لمدعويه بشكل يومي فأمر جميع أهل البلدان أن يسألوا الناس في كل مسجد بعد صلاة الصبح وبين العشائين عن التوحيد والثلاثة أصول والصلاة والطهارة وأعمال القلوب وغيرها، ولم يقل مع كل هذا (لا وقت عندي).

بعد كل هذه الحياة الزاخرة بالفضائل والعطاء، سعى الشيخ لإيجاد مصدرين لنقل هذا الدين عبر الأجيال فألف في شتى الفنون وربى أبناءه لنقل تلك العلوم، فكانوا خير خلف لخير سلف.

وقبل الختام فإن الشيخ رحمه الله قد ألقى الله تعالى في قلوب الناس حبه لأنهم ساروا على قاعدة (اعرف الحق تعرف أهله) فهذا الصنعاني رحمه الله في اليمن يكتب للشيخ يمتدحه لما سمع أنه يدعو للتوحيد وأرسل له قصيدته الطويلة، فالفرق بين الأبدان شاسع والقلوب مجتمعة عند بعضها، بل قد أحب الشيخ من لم يقرأ عنه إلا القليل ممن هم في عصرنا لما ألقى الله حبه في قلوب البشر فهذا أحد الإخوة ممن لم يكن على اطلاع كاف بحياة الشيخ يلقي عليه أحد المخالفين كلمة ظناً منه أنه يغيظه بها (أنت وهابي) فكان رده بكل عزة (وهابي وأفتخر).

رحم الله الشيخ وأسكنه فسيح جناته وحشرنا معه مع الأنبياء والمرسلين في زمرة المتقين فقد تعتصر القلوب ألماً على فراقه ولكنه ربى الناس على الكل زائل وأن الله حي لا يموت والحمد لله رب العالمين.

8 جمادي الأولى 1432ه

الموافق 11 أبريل 2011م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: